محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه من أول هذه السورة إلى قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ من نكاح من حرمت نكاحه ، وتعدى حدوده ، وأكل أموال الأيتام ظلما ، وقتل النفس المحرم قتلها ظلما بغير حق . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلما القتل ، فسوف نصليه نارا . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه : ومن يفعل ما حرم الله عليه من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً إلى قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ من نكاح المحرمات ، وعضل المحرم عضلها من النساء ، وأكل المال بالباطل ، وقتل المحرم قتله من المؤمنين ، لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة . فإن قال قائل : فما منعك أن تجعل قوله : ذلِكَ معنيا به جميع ما أوعد الله عليه العقوبة من أول السورة ؟ قيل : منع ذلك أن كل فصل من ذلك قد قرن بالوعيد ، إلى قوله : أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرم الله في الآية التي بعده ، إلى قوله : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً فكان قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ معنيا به ما قلنا مما لم يقرن بالوعيد مع إجماع الجميع على أن الله تعالى قد توعد على كل ذلك أولى من أن يكون معنيا به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقرونا قبل ذلك . وأما قوله : عُدْواناً فإنه يعني به : تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرمه عليه ، وَظُلْماً يعني : فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به ، وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه . وقوله : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً يقول : فسوف نورده نارا يصلي بها فيحترق فيها . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً يعنى : وكان إصلاء فاعل ذلك النار وإحراقه بها على الله سهلا يسيرا ، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء . وإنما يصعب الوفاء بالوعيد لمن توعده على من كان إذا حاول الوفاء به قدر المتوعد من الامتناع منه ، فأما من كان في قبضة موعده فيسير عليه إمضاء حكمه فيه والوفاء له بوعيده ، غير عسير عليه أمر أراده به . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جل ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم ، فقال بعضهم : الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ هي ما تقدم الله إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله ، قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين منها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عبد الله بمثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، مثله . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : ثني علقمة ، عن عبد الله ، قال : الكبائر من أول سورة النساء ، إلى قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . حدثنا الرفاعي ، قال : ثنا أبو معاوية وأبو خالد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : الكبائر من أول سورة النساء ، إلى قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : سئل عبد الله عن الكبائر ، قال : ما بين فاتحة سورة النساء إلى رأس الثلاثين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، قال : الكبائر : ما بين فاتحة سورة النساء إلى ثلاثين آية منها : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، أنه قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى الثلاثين منها . إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يرون أن الكبائر فيما بين أول هذه السورة ، سورة النساء ، إلى هذا الموضع إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم العسقلاني ، قال : ثنا شعبة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عن ابن مسعود ، قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها . ثم تلا : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ